مذكرة الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان في دعوي صحة الرئيس ضد ابراهيم عيسي

وحده الدعم القانوني لحرية الراي و التعبير
بالشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان
الوقــائــــع

حركت النيابة العامة ضد المتهم الدعوى رقم 195 لسنة 2007 جنح أمن دولة طوارئ ، حيث نسبت إليه قيامه ببعض الأفعال المؤثمة قانونا وفقا لنص المادتين 102 مكرر ، 188 من قانون العقوبات ، حيث نسبت إليه القيام فى غضون الفترة من 27/8/2007 حتى 30/8/2007 بدائرة قسم بولاق :
أولا : أذاع إخبارا وبيانات وإشاعات كاذبة من شأنها إلحاق الضرر بالمصلحة العامة
وذلك بأن نشر بالعدد رقم 130 من جريدة الدستور والتى يتولى رئاسة تحريرها والكتابة فيها خبرا كاذبا بعنوان " أنباء عن سفر الرئيس مبارك إلى فرنسا لمدة يوم واحد للكشف الطبى عليه "
وبالعدد 132 أخبارا كاذبة بعنوان " الرئيس مبارك مريض بقصور بالدورة الدموية مما يقلل من نسبة وصول الدم إلى أوعية المخ "
وعنوانا آخر أورد فيه مستقبل مصر مرهون بقرارات عاطفية يتخذها الرئيس لحظة مرضه
كما نشر بذات العدد مقالا تحت عنوان " الآلهة لا تمرض " تضمن أخبارا وبيانات كاذبة أكد فيها شائعات المرض ، مما أدى إلى انخفاض مؤشر البورصة بصورة غير عادية وتصفية المستثمرين الأجانب لاستثمارات بلغت قيمتها أكثر من ثلاثمائة وخمسين مليون دولار الأمر الذى أضر بالمصلحة السياسية والاقتصادية للبلاد .
ثانيا : نشر وبسوء قصد ، وبإحدى طرق العلانية أخبارا وإشاعات وبيانات كاذبة كان من شأنها إلحاق الضرر بالمصلحة العامة
بأن نشر بسوء قصد وبطريق الكتابة والرسوم التوضيحية فى عددى جريدة الدستور المشار إليهما الأخبار والبيانات والإشاعات الكاذبة موضوع الاتهام السابق ، مواليا تكرار النشر دون اعتبار للثابت من عدم صحتها إذ نشر بالعدد رقم 132 مقالا تحت عنوان " زيارة مبارك إلى برج أبو العرب فشلت فى القضاء على شائعة مرضه ، أكد خلالها تلك الأخبار والإشاعات مما الحق الضرر بالمصلحة العامة .
ورغم ذلك قدم المتهم للمحاكمة الجنائية إمام محكمة جنح بولاق أبو العلا رغم قيد الدعوى امن دولة طوارئ ، وقيدت الدعوى مرة أخرى برقم آخر 12663 لسنة 2007 جنح بولاق أبو العلا
كذلك أكدت محكمة جنح بولاق أبو العلا العادية أنها صاحبة الاختصاص الأصيل بنظر الدعوى ، وبالفعل قامت بنظر الدعوى ، وأصدرت حكما حضوريا بتاريخ 26/3/2008 بإدانة المتهم لقيامه بالأفعال المؤثمة قانونا وفقا لنص المادة 188 من قانون العقوبات فقط ، حيث أفصحت عن وجود تكرار للجريمة وتنازع ظاهرى بين نصي المادتين 102 مكرر ، 188 من قانون العقوبات، يستوجب على المحكمة تطبيق احدهما واستبعاد الآخر ، وحيث أن الواقعة المنسوبة للمتهم قد ارتكبت عن طريق النشر بإحدى الصحف ، فالمادة 188 هى المادة واجبة التطبيق .
ورفضت كافة الدفوع المبداة من دفاع المتهم ، وكذلك رفضت الدعوى المدنية المقامة من المدعى بالحق المدنى ، والدعوى المدنية المقابلة .
إلا أن هذا الحكم لم يلاقى قبولا لدى النيابة العامة فقامت بالتقرير بالاستئناف وأودعت مذكرة بأسباب الطعن بالاستئناف ، يتضمن خطأ محكمة أول درجة فى القانون لإفصاحها عن وجود تنازع ظاهرى بين نصى المادتين 102 مكرر ، 188 من قانون العقوبات ، ومخالفتها للقانون لمعاقبة المتهم بموجب نص المادة 188 واستبعاد تطبيق نص المادة 102 مكرر من قانون العقوبات على ما هو منسوب إلى المتهم .
وبجلسة 6/7/2008 أثناء نظر الاستئناف الماثل أمام محكمة جنح مستأنف بولاق أبو العلا ، تقدم الدفاع عن المتهم بالعديد من الدفوع الشكلية و منها :
– عدم قبول الدعوى لرفعها بغير الطريق القانونى
- عدم دستورية المادة 188 من قانون العقوبات
وتمسك الدفاع بالفصل فيما أبداه من دفوع أولا قبل الدخول فى موضوع الدعوى ، حيث يترتب علي ذلك ما يبدو من دفوع فى موضوع الدعوى ، وقد استجابت المحكمة لطلب الدفاع عن المتهم ، وحددت جلسة 13/7/2008 للفصل فيما ابدي من دفوع ، وبتلك الجلسة حكمت المحكمة حضوريا شخصيا قبل الفصل فى شكل الاستئناف برفض الدفوع المبداة بعدم قبول الدعوى لرفعها بغير الطريق الذى رسمه القانون ، والدفع بعدم دستورية نص المادتين موضوع الاتهام ، الدفع ببطلان استجواب المتهم ، والدفع ببطلان إجراءات التحقيق وإعادة الدعوى للمرافعة بجلسة 27/7/2008 لإبداء المرافعة فى موضوع الدعوى والاتهام .
يتمسك الدفاع بكافة أوجه الدفوع والدفاع المبداة من قبل والثابتة بمحاضر الجلسات ومذكرات الدفاع ، ونقصر هذه المذكرة على الدفوع التالية :
1– انتفاء الركن المادى للجرائم المنسوبة للمتهم (الخبر الكاذب – الشائعة )
2 – انتفاء القصد الجنائى فى حق المتهم
3 – توافر أسباب الإباحة
4– انعدام النتائج المنصوص عليها بمواد الاتهام كشرط تجريم (افتقاد أدلة الثبوت لصحيح القانون لقيامها على الظن والافتراض – أقوال شهود النفى يسقط الاتهام المسند )
5 – عدم قبول الدعوى المدنية
أولا : انتفاء الركن المادى فى حق المتهم
يجب لقيام المسئولية الجنائية ثبوت قيام العلاقة المادية بين المتهم والجريمة .
اى ثبوت إسناد الجريمة للمتهم والمقصود بذلك أن تكون الجريمة التي وقعت قد نشئت عن تصرف المتهم سواء كان فاعلا أصليا لهذه الجريمة أم شريكا في ارتكابها ، لكن إذا لم يثبت أن للمتهم دخلا فى حدوث الفعل لا باعتباره فاعلا أصليا ولا باعتباره شريكا فلا يمكن أن يسأل جنائيا ,
فالجرائم لا يؤخذ بجريرتها غير جناتها والعقوبات شخصية
وقد استقر قضاء محكمة النقض على عدم مساءلة الشخص جنائيا عن عمل غيره فلا بد للمساءلة أن يكون من ساهم فى القيام بالعمل المعاقب عليه فاعلا أصليا أو شريكا .
والعبرة فى الجريمة هي بالواقع ، وان تحقيق الأدلة في المواد الجنائية لا يصح أن يكون رهينا بمشيئة المتهم فى الدعوى
( نقض 29/12/1988 س 39 ص391 ونص 19/3/1981 س 32 ص 268
ومما لا شك فيه بداية أن نص المادتين 102 و188 من قانون العقوبات يفرضان قيودا تعسفية على حرية النشر وتداول الأخبار والمعلومات
ونظرة واحدة على ما جاء بالمذكرة الإيضاحية لنص المادة 102 من قانون العقوبات يستبين لعدالة المحكمة مدى خطورة هذا النص الذى جاء من خلال الأمر العسكري رقم 26 لسنة 1952 الصادر فى 5/9/1952
اى أن هذه المادة قد جاءت فى ظل الأحكام العرفية التي عمت البلاد بعد قيام ثورة يوليو وحتى الآن لا يوجد لدينا ثمة تشريعات تكفل حرية تدفق المعلومات من مصادرها الرسمية إلا مشروع باهت لقانون تداول المعلومات القصد منه منع تداول المعلومات .
وان هذا التضييق على حرية تداول المعلومات هو فى حقيقته ومضمونة يؤدى حتما إلى إلا تكون هناك صحافة حرة .
وعلى الجانب الآخر يقول بوما رشيه ( لقد قيل انه وضع نظام خاص لحرية الصحافة يشترط إلا أتكلم في كتاباتي لا عن الطباعة ولا عن الديانة ولا عن السياسة ولا عن الأخلاق ولاعن ذوى المناصب ولا عن الأوبرا ولا عن اى شخص له مكانة ما
وبخلاف ذلك استطيع طبع كل شيء بحرية ولهذا تراني في منتهى السعادة )
( بوما رشيه – مسرحية زواج فيجارو )
والمراد بهذه القيود أن تكون وسائل الإعلام مجرد بوق ونشرة لأعمال الحكومة صحيحة كانت أو كاذبة نافعة أو ضارة صحيحة أو كاذبة ،ونحن نعود مرات عديدة إلى الخلف ففي مؤتمر عقد فى جنيف 1948 لوضع مشروع لحرية الأنباء ، كان المشروع الأول يقضى أن تعتبر وسائل الإعلام وسائل للحكم فى الدولة ومن ثم يتعين إخضاعها لمطلق سلطان الحكومة فلا يصح أن يذاع فيها أو ينشر إلا ما هو متفق مع مصالحها .
والمشروع الثاني يرى إطلاق حرية الأنباء وان ترك الأمر لرقيب من السلطة ينطوي على قيد على الحرية ويؤدى إلى خنقها 1
وهنا نعود مرة أخرى
إلى المواثيق الدولية والاتفاقات الدولية التي صادقت عليها مصر والتي تعادل القوانين المحلية ويجوز التمسك بها أمام القضاء المصري
ولذلك للدفاع الحق أن يتمسك وخاصة في قضايا النشر بهذه الاتفاقيات الدولية
ومنها العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذى نص في مقدمته على2
إن الدول الأطراف في هذا العهد،إذ ترى أن الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم ، و من حقوق متساوية و ثابتة ، يشكل ، وفقا للمبادئ المعلنة في ميثاق الأمم المتحدة ، أساس الحرية و العدل و السلام في العالم . وتأكيدا على ذلك جاء نص المادة 19 من ذات العهد يؤكد على :
1-........................... 2-لكل إنسان حق في حرية التعبير . ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود .........................
وهذه المبادئ تسمو على القوانين الداخلية، ومنذ عام 1944 ومحكمة العدل الدولية مستقرة على مبدأ سمو قواعد القانون الدولي العرفية والمكتوبة على أحكام وقواعد القوانين الداخلية فيما بين الدول الأعضاء في الجماعة الدولية 3
وقد صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 536 لسنة 1981 بشأن الموافقة على الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16/2/1966 والتي وقعت عليها جمهورية مصر العربية بتاريخ 4/8/1967 وكان هذا القرار قد صدر فى أول أكتوبر 1981 4
والمسلم به أن الشرعية وسيادة القانون . أساس الحكم في الدولة . ووجوب خضوع الدولة للقانون والتزام سلطاتها بأحكامه في كافة أعمالها وتصرفاتها.
وبالرجوع إلى ما نشرته جريدة الدستور فى العدد رقم 130 والصادر فى 27/8/2007 كانت صياغته واضحة وضوح الشمس أنها صيغة استفهام
لماذا ... لم يخرج وزير الصحة أو طبيب الرئيس ببيان عن حالته الصحية
حتى يرد على الشائعات التي تتجدد يوميا حول مرض الرئيس
أذن ما تم نشرة مجرد إستفهام
للبحث عن إجابة
وما المقصود من هذا الاستفهام
الهدف من وراء نشر هذا الخبر ..حالة الاستفهام 00حالة الاستنفار والاضطراب الذي عم مصر ..عن حالة الرئيس الصحية
ثم السؤال الذي يطرح نفسه هل ما كتبه المتهم يعد خبرا وهل هو خبر صادق أم خبر كاذب ؟
أم هو كما قررت النيابة العامة إشاعة
وهل ما أسمته النيابة العامة إشاعة هل المتهم هو الذي اختلق هذه الإشاعة أم أنها كانت موجودة ومنتشرة فى ربوع مصر ونشر عنها المتهم مثل كل الجرائد والفضائيات بل وكل وسائل الإعلام التي تناقلت هذه الإشاعة وقبل حتى أن يكتب عنها التهم
وما قررته قرينة رئيس الجمهورية السيدة سوزان مبارك هو نفس ما كتب عنه المتهم
أن صحة الرئيس مبارك زى الفل –
وكان ماكتبه المتهم يوم 24/8/2007 متسائلا أن صحة الرئيس مبارك زى الفل – لماذا تخرج شائعات عن مرضه أو غيابه )
وهذا ثابت من أقوال المتهم في تحقيقات النيابة العامة ص 3 من التحقيقات
وبمراجعة ما استندت إليه النيابة العامة مما كتبه المتم ففى يوم 24/8/2007 تحت عنوان ( العاب نارية )
يقول المتهم ورغم أن الرئيس وعلى مسئوليتي فى صحة تامة وأكمل عافية وبحالة معنوية مرتفعة للغاية .
إلا أن الشائعات لا تصدر من توقعات بل من مخاوف ولا تعبر عن واقع بل عن هواجس )
إلا يعتبر كل هذا كتابة عن الشائعة ولم يكن نشرا لها أو إذاعة لها وفقا لما قررته النيابة العامة .
ولما كان الأصل فى المتهم البراءة ، فأن إثبات التهمة قبله يقع على عاتق النيابة العامة فغليها وحدها عبء تقديم الدليل .
وكل ماله هو أن يناقش أدلة الإثبات التي تتجمع حوله لكي يفندها أو يضع فيها بذور الشك دون أن يلتزم بتقديم أدلة إيجابية تفيد براءته ( د احمد فتحي سرور – الشرعية الدستورية وحقوق الإنسان في الإجراءات الجنائية ) ص203

وجاء حكم المحكمة الدستورية العليا
( الدستور كفل للصحافة حريتها واستقلالها بما يحول – كأصل عام – دون التدخل فى شئونها أو إرهاقها بقيود تؤثر فى رسالتها أو إضعافها من خلال تقليص دورها فى بناء المجتمع )
حكم 3يوليو 1995 القضية رقم 25 لسنة 16 ق دستورية )
والأصل المقرر فى القانونين الدستورى والجنائى انه لايجوز تجريم اى عمل مما يعتبر استعمالا لإحدى الحريات ومنها حرية الصحافة وحرية التعبير ومن باب أولى لايجوز التوسع فى تفسير القيود والجرائم التي تنتج من استعمال هذه الحرية .
فالدستور كفل للصحافة حريتها واستقلالها بما يحول – كأصل عام دون التدخل فى شئونها أو إرهاقها بقيود تؤثر فى أو إضعافها من خلال تقليص دورها فى بناء المجتمع وتطهيره متوخيا دوما لها أفضل الفرص التي تكفل تدفق الآراء والأنباء والمعلومات والأفكار ونقلها إلى المواطنين ليكون النفاذ إليها حقا لا يجوز أن يعاق وباعتبار أن الدستور – وان جاز فرض رقابه محدودة عليها – فذك فى الأحوال الاستثنائية فى مواجهه تلك المخاطر الداهمة التي حددتها المادة 48 من الدستور
حكم المحكمة الدستورية العليا فى 32 يوليو 1995 القضية رقم 25 لسنه 16 ق

وبأن ضمان الدستور لحرية التعبير عن الآراء والتمكين من عرضها ونشرها سواء بالقول أو بالتصوير أو بطباعتها أو بتداولها وغير ذلك من وسائل التعبير قد تقرر بوصفها الحرية الأصل التي لا يتم الحوار المفتوح إلا فى نطاقها وبها يكون الأفراد أحرارا لا يتهيبون موقفا ولا يترددون وجلا ولا ينتصفون لغير الحق طريقا .
وأن أهمية الخبر للجمهور والهدف من النشر كلها أمور تقلل من مسئولية الصحفي أو تزيد منها حسب الأحوال ، فكلما كان موضوع الخبر أو المقال عاما ويهم الجمهور وذا هدف محدد ومشروع ، قلت مسئولية الصحفي عما يتضمنه من قذف وسب أو تشهير والعكس صحيح.
من المقرر أن للصحف الحق في نشر الأخبار حتى تؤدي رسالتها في الإعلام وتتطلب هذه الإباحة توافر شروط ثلاثة :-
1. صحة الخبر وطابعه الاجتماعي .فصحة الخبر شرط لتحقيق المصلحة الاجتماعية التي تقوم الإباحة عليها ، فالمجتمع لا يستفيد بنشر خبر غير صحيح ، وتقتضي صحة الخبر أن تكون الواقعة التي يتضمنها صحيحة في ذاتها ، وصحيحة من حيث نسبتها إلى من أسندت إليه. وأن يكون الخبر ذا طابع اجتماعي عام فلا تمتد الإباحة إلى الأخبار التي تنطوي علي إسناد واقعة شائنة تتعلق بالحياة الخاصة لأحد الأفراد دون أن تحقق هدفا اجتماعيا
2. موضوعية العرض. وتعني أن يقتصر الصحفي علي نشر الخبر في حجمه الحقيقي، فلا يضفي عليه مبالغة أو تهكماً أو سخرية.
3. حسن النية. وتعني استهداف مصلحة المجتمع لا التشهير أو الانتقام ، وإذ كان الخبر غير صحيح ولكن ناشره اعتقد صحته واستند اعتقاده إلى التحري المعتاد ممن كان في مثل ظروفه فله أن يحتج بالغلط في الإباحة .
والاتهام المنسوب للمتهم طبقا لتكييف النيابة العامة للواقعة هو القيام بـأفعال مؤثمة قانونا وفقا لأحكام المادتين 102 مكرر ، 188 من قانون العقوبات ، إلا أن محكمة أول درجة أفصحت عن التعارض الظاهرى لنص المادتين المشار إليهما عند إصدارها الحكم ، ورأت أن التكييف الصحيح للواقعة الإتيان بأفعال مؤثمة وفقا لنص المادة 188 عقوبات ، إلا أن هذا الأمر لم يلقى قبولا لدى النيابة العامة وطعنت بالاستئناف على هذا الحكم لمخالفته لصحيح القانون .
وهو الأمر الذى حدا بنا إلى مناظرة أحكام نص المادتين

الخبر الكاذب
يقصد بنشر الأخبار أو البيانات الكاذبة إعلان أو إنباء بأمور أو وقائع أو أحداث تثير اهتمام المخاطبين أو بعضهم ، ولا يشترط أن يكون الخبر معاصرا بل قد يكون خبرا ماضيا ، فالمهم أن تكون الأخبار غير معلومة للجمهور قبل النشر ، وقدمها صاحبها على أنها حقيقة ثابتة ومطابقة للواقع ، فالأخبار فى مقام النص المتقدم يفترض إعلام الغير وإنباءه بأمر غير معلوم لديه .
يخرج عن نطاق جريمة نشر الأخبار الكاذبة التعليق أو إبداء الرأى فى وقائع معلومة للجمهور ( إشاعة مرض رئيس الجمهورية ) ، فيتعين أن يكون موضوع النشر خبرا وليس رأيا ، فالرأى قوام النقد يتميز عن الخبر فى انه لا يكشف عن جديد ، فهو محض حكم أو تقويم ينصب على أمر من الأمور يهم الصالح العام فى مسألة باتت معلومة لدى الجمهور 5
ولا تقع الجريمة المنصوص عليها فى المادة 188 عقوبات إذا كانت الأخبار صحيحة ولو كان من شأنها تكدير السلم أو إثارة الفزع بين الناس ، وهو ما أكده نص المادة 7 من قانون تنظيم الصحافة الصادر سنة 1996 بقوله إنه ( لا يجوز أن تكون المعلومات الصحيحة التى ينشرها الصحفى سببا للمساس بأمنه ) فكذب الخبر هو ركن لا تنهض بدونه جريمة نشر الأخبار الكاذبة ، كما أن نشر أخبار قديمة معلومة للجمهور فى قالب يثير مشاعر المخاطب لا تدخل فى نطاق جريمة نشر الأخبار الكاذبة .
الأخبار الكاذبة هى أخبار غير صحيحة وليس لها أصل فى الواقع اختلقها صاحبها ونشرها على أنها حقيقة ثابتة ، وقد يكون الخبر كاذبا إذا نسبها كذبا إلى غير قائلها ، إذا كان هذا الإسناد الجديد من شأنه تكدير السلم العام 6 .
ثانيا :-الدفع بانتفاء القصد الجنائي لدى المتهم
والمقصود به فى هذه الجريمة هو النشر مع توافر سؤ القصد ، اى أن يكون المتهم عالما بأن الأخبار أو الشائعات التي ينشرها غير مطابقة للحقيقة ’ وان تكون لديه إرادة فى نشرها وتعتمد هذه المادة على القصد الجنائى العام ويتعين على النيابة العامة ( سلطة الاتهام ) إثبات سؤ نية المتهم وتوافر القصد الجنائى لديه
أهمية القصد الجنائي في هذه الجريمة
للقصد الجنائي أهمية واضحة فما من دعوى إلا وتثور فيها مشكلة القصد الجنائي للتحقق من توافره أو القطع بانتفائه فالبحث فيه جزء اساسى من مهمة القاضي الجنائي بصدد كل ما تعرض عليه 7
وفى ذلك يقول الدكتور رءوف عبيد (انه لا يكفى لتقرير المسئولية الجنائية أن يصدر عن الجاني سلوك إجرامي ذو مظهر مادي بل لا بد أيضا من توافر ركن معنوي أو أدبى يمثل روح المسئولية الجنائية حين يمثل ركنها المادي جسدها الظاهر للعيان ) 8
والمشرع لم يضع تعريف للقصد الجنائي مكتفيا بما هو متعارف في شأنه من انه يمثل في نهاية المطاف انصراف إرادة الجاني إلى ارتكاب الجريمة مع العلم بأركانها كما يتطلبها القانون .
والقصد الجنائي في جريمة النشر بسوء قصد – بإحدى الطرق العلانية – أخبار وإشاعات كاذبة من شانها إلحاق الضرر بالمصلحة العامة- متى يتحقق
يتحقق عندما يكون النشر بسوء قصد وبطريقة من طرق العلانية مع علم المتهم بعدم صحتها
أما إذا كان المتهم حسن النية ولم يعلم بكذب الوقائع أو الأخبار المنشورة والتى كانت على لسان المواطنين فلا قرينة ضده تؤكد سؤ نيته أو توافر نية الأضرار .
ومن الخطأ افتراض سوء القصد بمجرد النشر
ويقع عبء إثبات توافر القصد الجنائي لدى المتهم على عاتق النيابة العامة – وللمتهم إثبات العكس .
أما مجرد نشر خبر عن إشاعة لا يتخذ قرينة قانونية على سؤ القصد ويكفى لإثبات حسن النية أن المتهم حين قام بالنشر عن الإشاعة بمرض الرئيس قد عمل ما يعمله الرجل الحريص المهتم
ويستبين لعدالة المحكمة من خلال ما وجه للمتهم فى تحقيقات النيابة العامة ومن خلال إجاباته انه قد انتفى لديه القصد الجنائي لديه
فعند سؤاله
س : ما هو رأيك فيما هو منسوب إليك؟ ( موضوع التهمة )
أجاب المتهم : يوم 24 أغسطس نشرت ما ينفي ذلك واستخدمت تعبير صحة الرئيس زى الفل وهو نفس ما استخدمته زوجة الرئيس في وصف صحته عبر الفضائيات.
وفى سؤال آخر
: بصفتك رئيس التحرير ما هي السياسة العامة التي اتبعتها في معالجة الشائعة موضوع المادة الصحفية؟
أجاب : حق المجتمع المصري في الاطلاع والمعرفة على الحقائق والمعلومات ومجريات الحياة السياسية وعلى رأسها أخبار رئيس الجمهورية ، وطبقا لما ينص عليه الدستور المصري في الحق على تداول المعلومات
س : وهل كنت تسعى لتأكيد الشائعة أم تكذيبها؟
ج : كذبتها لكني تعاملت مع وجودها في الشارع السياسي المصري ، فأنا نشرت عن الشائعة ولست ناشرا للشائعة.
س : كيف كان هذا التعامل ؟
ج : عبر التأكيد على نفي غياب الرئيس أو موته أو تدهور صحته أو مروره بمرحلة حرجة وأيضا عبر الإلحاح بكل فنون العمل الصحفي على إعلان الدولة عبر وزير الصحة أو طبيب الرئيس للحقيقة كاملة حتى يهدا ضجيج الشائعات.
فهنا لم يكن لدى المتهم اى بادر ة سؤ قصد ولم تتوافر لديه بل انه كان يتعامل مع شائعة متواترة بالفعل فى الشارع المصري ولم يختلقها بل انه سعى تماما إلى نفيها عن طريق إثارة التساؤلات حول صحة الرئيس
ولم يثبت لدى المتهم انه يعلم بعدم صحة هذه الإشاعات بل لم يكن فى مصر كلها من يعلم بعدم صحتها إلا الرئيس نفسه ومن حوله
وهذا ما فعلته قرينة الرئيس بعد ذلك فى تصريحها بأن صحة الرئيس ذى الفل مما يؤكد أن هناك إشاعات تنتشر فى مصر حول صحة الرئيس فالمتهم لم ينشأ هذه الإشاعة ولم يختلقها ولم يعمل على نشرها بل العكس تماما انه عمل على الرد عليها فى الوقت الذى لم ترد الجهات المسئولة عن ذلك وضع حد لبلبلة الشارع المصرى وقتها عن صحة الرئيس
وبسؤال المتهم عن مصادره
س : هل تذكر الأشخاص والجهات التي اعتمدت عليها كمصدر صحفي لما نشرته؟
ج: نعم وكالة أنباء الشرق الأوسط والوكالة الفرنسية وأسماء منشورة في عدد الصحيفة في سبتمبر مثل محمد المهدي وهشام أبو حجازي حيث ناقش الأخيرين سيكولوجية الشائعة وتحليلها.
وهنا يستبين لعدالة المحكمة أن المتهم لم يكن أول من نشر عن إشاعة صحة الرئيس
صحة الرئيس ليست سر ا عسكريا

وبسؤال المتهم يبين لعدالة المحكمة انه قد انتفى لديه القصد الجنائى وهو النشر بسوء قصد
س : ما الذي خلصت إليه تلك المصادر فيما يتصل بالمادة المنشورة؟
أجاب المتهم : 1- أن هناك شائعة. 2- أنها شائعة غير صحيحة. 3- أن إثارتها تعني غياب الشفافية تماما عن الدولة المصرية. 4- أن هناك عجز إعلامي رسمي عن طمأنة الرأي العام ونفي هذه الشائعة. 5- أن الرئيس مبارك شأنه شأن أي مواطن يمرض ويصح ويصاب بوعكات صحية ومن حق الشعب مثل كل الشعوب أن يعلم بصحة رئيسهم سواء حين تكون في وعكة أو حين تكون جيدة. 6- أنه لا يوجد قانون أو مادة في القانون تنص على أن صحة الرئيس سر عسكري أو حربي لا يجوز الاقتراب منه أو مناقشته شأن أسرار الدولة العليا والتي لا يجوز النشر عنها إلا وفق موافقات رسمية .
ومن هنا يستبين لعدالة المحكمة الأمور التالية :
: 1-والمتهم نشر هذا الموضوع بعد أسابيع من انتشا ر الشائعة ومن ثم ليس مسئولا وليس مصدرا على الإطلاق للشائعة التي انتشرت قبل هذا التاريخ بكثير.
2- جاء الموضوع بعدما أكد المتهم في عدد 24 أغسطس وقطع جازما أن صحة الرئيس زى الفل
. 3- في هذا المقال قطع المتهم أيضا بأن هذا المرض ليس من الأمراض العضال بل هو طبيعي وعادي في ظروف السيد الرئيس وكان تفسيره أشبه بتحليل مضار التدخين مثلا أو الصداع أو غيره.
و المقال المفسر نفى تماما أي خطورة أو أي ضرر والشائعة لم تتوقف عند مرض الرئيس بل طالت حياته.
: أن الرئيس بلغ 80 عاما ولديه أمراض عادة وطبيعية تترافق مع سنه وهي ليست خطيرة ولا مميتة ، فضلا عن أن علاجها متوفر بالمتابعة لها ، ومن ثم أطمئن ضميره لهذه المعلومات وخصوصا وقد عاد للمراجع العلمية والطبية التي أفادته في التحقق من تفاصيل عدم خطورة هذا المرض . وأنه اعتقد في صحة ما نشرت وطبقا لهذا الخبر وأنه إن كان محل لنفي أو الحديث عن عدم صحته فسوف يتولى مسئولون في القصر الرئاسي أو وزارة الصحة مسئولية نفيه ، وانه حتى 5 سبتمبر لم يتلقى المتهم أي نفي من أي جهة بأن الرئيس مبارك ليس مريضا بهذا المرض غير الخطير، كما أشرت أن قوانين العمل الصحفي يحتم نشر أي نفي أو رد من أي مصدر تناولته الصحيفة بخبر أو رأي أو معلومة. : كان التكذيب واضحا في مسار العنوان نفسه.
العنوان في العمل الصحفي المهني هو بمثابة الإشارة اللافتة والمعلومة الجاذبة التي تدفع القارئ لقراءة التفاصيل ولا يمكن التعامل مع موضوع صحفي منتزعا من عنوانه ومن سياقه
فلا عنوان بدون موضوع ولا إشارات بدون تفسير وإلا لاكتفت الصحف بالعناوين و لاكتفى القارئ بها دون اطلاع أو فحص مضمون العنوان. ومن ثم فالعنوان يحمل تكذيبا وقاطع العنوان ينفي بوضوح شائعة أن الرئيس قد توفي . فضلا على أن الصحيفة في حد ذاتها في العدد ذاته وأسفل العنوان أشارت إلى زيارة مبارك لبرج العرب وأنها فشلت في القضاء على الشائعة ، وقال بالنص " لماذا تصر الدولة على عدم إصدار بيان رسمي واضح عن صحة الرئيس .
المحتوى كله ، ولا يجب أن ينتزع من سياقه ، فضلا ، وان قارئ هذه الجريدة "الدستور" يتابعها وقد اطلع على ما سبق أن نشرته الجريدة من أن صحة مبارك زى الفل ،، ومن المستحيل على جريدة ذات شهرة واحترام أن تنفي نفسها في نفس المكان والعنوان وقد أكدنا على أن رئيس مصر في تمام الصحة ، أما ما نشر مرضه المحدود والطبيعي فيساهم من وجهة نظري وفي اعتقادي في تهدئه الرأي العام ، لأن الحقيقة هي أفضل مهدئ للرأي العام.
والمتهم لم ينشر شائعة المرض ، وكان ينتظر نفيا لها ، بل ما نشره هو نفي شائعة المرض وتدهور صحة الرئيس
ثم لم يحدث حتى يوم 2 سبتمبر وحتى مسائه أي نفي رسمي للشائعة سوى عندما تحدثت السيدة قرينة الرئيس واستخدمت نفس التعبير الذي استخدمه المتهم في نفس الشائعة يوم 24 أغسطس حين قلل المتهم أن صحة الرئيس زي الفل وحتى هذه اللحظة لم ينفي اى مسئول مرض الرئيس مبارك بقصور في الدورة الدموية ،و أن صحة الرؤساء في ظل دولة الشفافية يجب أن تكون معلنه للكافة ويكفي للتدليل على ذلك أن الرئيس الأمريكي روزفلت كان مقعدا ويظهر في لقاءاته ومؤتمراته جالسا على كرسي متحرك.

وكان المقال الذى حرره المتهم قاطعا بنفي صحة شائعة المرض الخطير ، حيث أن المطلوب من الصحافة هو إثبات أو نفي صحة الشائعة. أما الشائعة نفسها فهي متداولة بين الناس ولا دخل للمتهم بها ولا بتفاصيلها وكيفية انتشارها
و طالب المتهم بأن يخرج نفي رسمي من الدولة لصحة هذه الشائعة وقال بالحرف الواحد" فالرئيس نفسه ليس مريضا بمرض خطير ولكنه مرض سنه" .
فضلا عن أن الرئيس حتى لو أصيب بالأنفلونزا يجب أن يعرف الشعب. ثم لم يكن قصده هو إثارة الفزع بين الناس بل العكس ، وهو تهدئه الناس وإشعارهم أن الشائعة غير صحيحة وفي خطورة المرض تماما ،
هذا بعض مما أثاره المتهم فى تحقيقات النيابة العامة ردا على ما وجــه إليه من اتهامات

وجريمة الخبر الكاذب لا يكفى لتوافر القصد الجنائي فيها ثبوت نية النشر وحدها بل يجب أن تتوافر نية ارتكاب الجريمة
وقد خلت الأوراق وأدلى الثبوت إلى قدمتها النيابة العامة من إثبات أن المتهم قد تعمد نشر أخبارا كاذبة أو إشاعة قد اختلقها أو خبر كاذب أو مضلل
والقاعدة أن سوء النية لا يمكن افتراضه في جريمة النشر الخبر الكاذب لمجرد ثبوت كذب الخبر
ويجب على النيابة العامة أن تثبت قبل هذا ى أن الخبر المنشور كاذب أو مختلق اى أن المتهم ليس مكلفا بإثبات صحة الخبر المسئول عن نشره
وقد جاء في حكم لمحكم النقض
( لا بد لتوافر سوء القصد لنشر الأخبار الكاذبة ... إثبات أن المحرر كان يعلم كذب الخبر وقت النشر والنيابة ................ هي المكلفة بإثبات ذلك )
وان سوء القصد يتوفر متى كان الناشر يعلم وقت النشر أن الخبر كاذب وأن من شأن نشره تكدير السلم العام و .......... النيابة ...................... هي المكلفة بإثبات ذلك )

ثالثا: الدفع بتوافر أسباب الإباحة
الأصل هو حرية الرأي والتعبير وفقا للمواثيق الدولية التى قامت مصر بالتصديق عليها واعتبارها قانونا داخليا ، حيث تنص المادة 19 من العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية على أنه :
1 –
2 – لكل إنسان حق فى حرية التعبير ، ويشمل هذا الحق حريته فى التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود ، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو فى قالب فنى أو بأية وسيلة أخرى يختارها .كما يكفل الدستور المصرى حماية وحرية الصحافة حيث قرر بموجب نص المادة 47 أن : حرية الرأى مكفولة ، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقوة أو بالكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير فى حدود القانون ، والنقد الذاتى والنقد البناء ضمان لسلامة البناء الوطنى
كما تنص المادة 48 من الدستور المصرى على انه : حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام مكفولة والرقابة على الصحف محظورة وإنذارها ووقفها وإلغائها بالطريق الإدارى محظور .
والمادة 3 والمادة 6 والمادة 7 والمادة 8 أيضا
فى الفصل الأول تحت عنوان حرية الصحافة
مادة 3 – تؤدي الصحافة رسالتها بحرية و باستقلال، و تستهدف تهيئة المناخ الحر لنمو المجتمع و ارتقائه بالمعرفة المستنيرة و بالإسهام في الاهتداء إلي الحلول الأفضل في كل ما يتعلق بمصالح الوطن و صالح المواطنين.